القاضي النعمان المغربي

83

المناقب والمثالب

فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا حضرت الصلاة خرج بعلي مستخفيا إلى بعض شعاب مكة فيصليان ، وأقاما على ذلك ثمان سنين ليس على وجه الأرض أحد يدين اللّه بالإسلام غيرهما وخديجة بنت خويلد ، وعبر عليهما أبو طالب فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما هذا الذي تصنعه يا ابن أخي ؟ فقال : « يا عم هذا دين اللّه أرسلني به ، وهذه ملة أبينا إبراهيم ، وأنت يا عم أحق من بدأت له بالنصيحة ودعوته إلى دين اللّه ، وأنت أحق من أجاب إليه وأعلن عليه » . فزعموا أنه قال له : أما مفارقة ما أنا عليه فما لي إلى ذلك من سبيل ، وأما عونك فو اللّه لا يخلص إليك أحد بشيء تكرهه ما بقيت . وقال لعلي : اتبع ما يقول لك محمد ولا تفارقه والزمه ، فإنه لم يدعك إلّا إلى دين اللّه « 1 » . ثم أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيه صلّى اللّه عليه وآله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ « 2 » فخاف صلّى اللّه عليه وآله تكذيبهم إياه وأن ينالوا منه ، فتوقف عن ذلك فأتاه جبرئيل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربّك « 3 » . وقيل : إن اللّه عزّ وجلّ أنزل عليه في ذلك : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ « 4 » فأمر عليا صلوات اللّه عليه أن يدعوا إليه بني عبد المطلب ، وقد صنع لهم طعاما بصاع من بر ورجل شاة وهيّأ لهم عسّا من لبن ، فأتاه علي عليه السّلام بهم وهم أربعون رجلا ، وكان الرجل الواحد

--> ( 1 ) - السيرة النبوية لابن هشام : 1 / 163 ، تاريخ الطبري 2 / 58 ، الإصابة : 4 / 116 ، اثبات الوصية للمسعودي : 122 . ( 2 ) - سورة الشعراء : 214 . ( 3 ) - تاريخ الطبري : 2 / 62 ، تاريخ دمشق : 42 / 49 . ( 4 ) - سورة المائدة : 67 .